هناك مشاهد لا يجب أن نعتاد عليها مهما تكررت. أن يقضي رجل أو سيدة عمرًا كاملًا من المعاناة والتعب والشقاء في بناء مدارس وجامعات تخرّج منها مئات الآلاف، ثم بدلًا من أن يُكرَّموا ويرتاحوا في خريف العمر، يكون ختام الرحلة خبيرًا في الطب النفسي الشرعي يطرق باب البيت ليقرر أمام الملأ: هل ما زال هذا الإنسان “أهلًا” لإدارة ما بناه بيديه؟ هذا ببساطة حرام، ولا يليق بمجتمع يحترم نفسه.
هذا ما يحدث اليوم مع الدكتور صديق عفيفي، مؤسس مجموعة مؤسسات طيبة التعليمية ومؤسس جامعة ميريت بسوهاج ورئيس مجلس أمنائها — الرجل الذي اختار أن يستثمر في صعيد مصر لأنه رأى أن أهله مظلومون تعليميًا — والذي تنظر محكمة الأسرة دعوى حجر مقامة ضده، وقررت توقيع الكشف الطبي النفسي عليه. وهو ما حدث قبله مع الدكتورة نوال الدجوي، رائدة التعليم الخاص التي تجاوزت التسعين، والتي رفضت محكمة أول درجة دعوى الحجر عليها، لتجد نفسها رغم ذلك محالة إلى مصلحة الطب الشرعي في جولة استئناف جديدة.
لسنا هنا في مقام الحكم على القضايا المنظورة؛ فالقضاء وحده صاحب الكلمة، ونظام الحجر وُجد أصلًا كأداة حماية قد تكون ضرورية في حالات حقيقية. لكن الظاهرة نفسها — بتكرارها وتشابه فصولها — مؤشر خطر حقيقي لا يجوز التهوين منه: مؤسسة ضخمة، ثروة بالمليارات، مؤسس تجاوز الثمانين، ثم دعوى حجر يرفعها الأبناء أو الأحفاد. والأخطر أن النموذج بدأ يستنسخ نفسه؛ فكل قضية تفتح الباب لأخرى، وكأنها صارت وصفة جاهزة يقلد فيها البعض بعضًا كلما لاحت ثروة كبيرة في نهاية عمر طويل.
فأي أمان يبقى في مجتمع يشعر فيه من أفنى عمره في البناء أنه كلما كبُر ما بناه، كبُرت احتمالات أن يقضي أيامه الأخيرة في ساحات المحاكم بدلًا من أن يقضيها في السلام والأمان اللذين يستحقهما؟ هؤلاء ليسوا مجرد أطراف في نزاعات ميراث؛ هم بناة مؤسسات يتعلم فيها أبناؤنا ويعمل فيها آلاف المصريين. حقهم علينا أن يُكرَّموا لا أن يُحاكَموا في أهليتهم، وأن تُصان كرامتهم بعيدًا عن التشهير العلني الذي لا يرحم.
المطلوب وقفة حقيقية وحلول جذرية، لا مجرد تعاطف عابر مع كل قضية جديدة. أولًا: مراجعة تشريعية لنظام الحجر تضع ضمانات أشد صرامة ضد إساءة استخدامه، وتجعل نظره في سرية تامة تحفظ كرامة من يُطلب الحجر عليهم. ثانيًا: حوكمة مبكرة وإلزامية للشركات والمؤسسات العائلية الكبرى تفصل الملكية عن الإدارة وتحسم الانتقال قبل أن يفرضه النزاع. ثالثًا: آليات وساطة أسرية إجبارية قبل قبول أي دعوى من هذا النوع. رابعًا: ضوابط على التداول الإعلامي لتفاصيل هذه القضايا بما يحمي خصوصية أطرافها.
فالمجتمع الذي لا يضمن لعظمائه شيخوخة كريمة آمنة، يبعث برسالة قاسية لكل من يحلم بأن يبني شيئًا يبقى: مهما أعطيت، فقد تنتهي وحيدًا أمام لجنة طبية تقرر مصيرك. وهذه رسالة لا يليق بمصر أن تتركها بلا رد — ولا بلا حلول.










