في واقعة تُظهر مدى انحدار بعض أفراد مجتمعنا إلى مستويات غير مسبوقة من الانحطاط الأخلاقي، تعرضت فتاة شابة أمس لتحرش جماعي بشع داخل أتوبيس نقل عام، وكل ذنبها الوحيد أنها ارتدت ملابس «لا تروق» لعقول مريضة ونفوس منحطة. لم يقتصر الأمر على متحرش واحد، بل انضم إليه آخرون، وبدل أن يتدخل الركاب لإنقاذها، وقف بعضهم يبرر الجريمة ويلوم الضحية على «إغرائها» للذئاب البشرية بملابسها
هذه ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي دليل قاطع على مرض اجتماعي عميق ينخر في جسد الأمة. المتحرشون ليسوا مجرد أفراد منحرفين، بل هم وحوش بشرية تتربص بالنساء في كل مكان عام، يعتقدون أن لهم الحق في انتهاك خصوصية أي أنثى لا ترتدي ما يمليه عليها تفكيرهم المتخلف. وأشد بشاعة من المتحرش نفسه هم الذين وقفوا معه: الرجال والنساء الذين لاموا الفتاة، الذين قالوا «كانت لابسة إيه عشان تترزع كده؟»، الذين فضلوا الصمت المخزي على الدفاع عن كرامة إنسانة. هؤلاء شركاء في الجريمة، بل هم أسوأ، لأنهم يمنحون المتحرش غطاءً اجتماعياً يشجعه على تكرار فعلته.
نقولها بصراحة وبلا مواربة: الملابس لا تبرر التحرش أبداً! لا يوجد ثوب أو تنورة أو بنطلون يعطي أي ذئب الحق في مد يده أو لسانه أو نظراته المقززة. الذنب كله على المتحرش وعلى عقله المريض، وليس على الضحية. كفى كفى كفى تبرئة للمجرمين وتحميل النساء مسؤولية وحشية الرجال! هذا التفكير البالي هو الذي يجعل شوارعنا غابة يترصد فيها الضعفاء بالقوي، ويجعل النساء يعشن في خوف دائم من مجرد الخروج من بيوتهن.
نحن ندافع بكل قوة عن هذه الفتاة الشجاعة التي تعرضت للإهانة والانتهاك، ونقول لها: أنتِ لستِ مذنبة، أنتِ ضحية مجتمع يحمي الجناة ويلام الضحايا. شجاعتك في الإفصاح عن الواقعة خطوة كبيرة نحو تغيير هذا الواقع المرير.
وفي تطور إيجابي سريع يُحسب للأجهزة الأمنية، أكد لي مصدر أمني موثوق – أثناء كتابة هذا المقال – أن وزارة الداخلية تمكنت بالفعل من القبض على المتهم الرئيسي في الواقعة، وجاري استكمال الإجراءات القانونية ضده تمهيداً لتقديمه لمحاكمة عاجلة. هذه الاستجابة السريعة والحاسمة من قوات الأمن تُظهر كفاءة عالية وجدية في مواجهة مثل هذه الجرائم، وتُعطي رسالة قوية بأن الدولة لن تتهاون مع أي اعتداء على كرامة المواطنات. نشيد بهذا الإجراء السريع، ونطالب باستكماله بمحاكمة علنية عاجلة وعقوبة رادعة تصل إلى أقصى الحدود القانونية، لتكون عبرة لكل من تسول له نفسه انتهاك حقوق النساء.
اليوم هذه الفتاة، وغداً أختك أو ابنتك أو زوجتك. خطوة القبض هذه بداية مشجعة، لكن يجب أن تستمر الجهود بنفس الحزم لاجتثاث هذا الوباء الاجتماعي من جذوره. السلطات تحركت بسرعة.. والآن حان وقت العدالة الكاملة!
الرأي للضحية.. والعار للمتحرشين ولمن ساندهم!










