عشر سنوات تقريبًا مرّت منذ أن انفجرت واحدة من أكبر قضايا توظيف الأموال في تاريخ مصر الحديث، حين تبخّرت أموال نحو عشرة آلاف مودِع وضعوا مدّخراتهم في شركة “ستار كابيتال” المملوكة لـ”هاني لطفي عواد وشركاه”، إثر وعود بأرباح شهرية خيالية تصل إلى 5%. تجاوزت أموال الضحايا المعلنة 410 ملايين دولار، وصدرت في القضية أحكام بالسجن، وأصدرت نيابة الأموال العامة منذ فبراير 2015 أوامر بالضبط والإحضار والتحفّظ على أملاك المتهمين. ومع ذلك، وبعد كل هذه السنوات، لا يزال آلاف الضحايا ينتظرون استرداد ما سُلب منهم، بينما تُطرح أسئلة مشروعة لم تجد إجابة بعد: أين ذهبت الأملاك؟ ومن المستفيد الحقيقي اليوم منها؟
السؤال الذي يتجنّبه الجميع
القصة التي رواها القضاء واضحة في خطوطها العريضة: متّهم رئيسي، شبكة معاونين، أموال مودِعين تبخّرت، وأحكام صدرت. لكن القصة التي لم تُروَ بالكامل بعد هي قصة *ما حدث للأصول* — العقارات والأراضي والحصص والشركات التي بُنيت بأموال الضحايا. فالأحكام الجنائية تُدين الأشخاص، لكنها لا تُعيد بالضرورة الأموال إلى أصحابها ما لم تُتتبَّع الأصول وتُسترَد فعليًا.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا، والذي يطرحه الضحايا أنفسهم منذ سنوات: هل بقيت ممتلكات الشركة وصاحبها مجمّدة فعلًا تحت يد الدولة كما يفترض أمر التحفّظ؟ أم أن جانبًا منها انتقل — قبل التحفّظ أو في ظلّه أو بعده — إلى أيدٍ أخرى ظهرت فجأة كـ”ملّاك جُدد”، ليتحوّل ما كان يُفترض أن يكون ضمانًا لحقوق المودِعين إلى ثروات شخصية لأطرافٍ لم يدفعوا ثمنها الحقيقي؟
شُبهة يطرحها الضحايا… وتستوجب التحقيق
يؤكد عدد من ضحايا “ستار كابيتال”، عبر تجمّعاتهم ومحاميهم، أنهم يملكون ما يعتبرونه مؤشرات على أن بعض أصول القضية جرى تمريرها أو نقل صفتها القانونية إلى أشخاص مقرّبين، بصورة كان من شأنها — إن صحّت — أن تُخرج هذه الأصول من دائرة التحفّظ والمصادرة، وتُبعدها عن متناول الأجهزة الرقابية والقضائية.
من المهم التأكيد أن هذه ادعاءات منسوبة إلى الضحايا، ولم تَصدر بشأنها أحكام قضائية مستقلة حتى الآن. لكن طبيعة القضية وحجمها يجعلان من هذه الادعاءات أمرًا يستحق فتح تحقيق جادّ لا التغاضي عنه. فإذا كانت هناك أصول حقيقية لا تزال قائمة، فمن غير المقبول أن يبقى مصيرها غامضًا بينما يُقابَل أصحاب الحقوق بالمماطلة.
والأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها التحقيق محدّدة وقابلة للفحص:
– ما هو الجرد الكامل لأصول “ستار كابيتال” وصاحبها داخل مصر وخارجها وقت صدور أمر التحفّظ في 2015؟
– هل جرت تصرّفات (بيع، تنازل، نقل ملكية، تأسيس كيانات جديدة) على أيٍّ من هذه الأصول خلال الفترة السابقة مباشرة للتحفّظ أو بالتوازي معه؟ ومن أطرافها؟
– هل توجد أصول مسجّلة بأسماء أطراف ثالثة تعود ملكيتها الفعلية لأموال المودِعين؟
– ما الذي آلت إليه الأصول الخارجية، لا سيّما في الإمارات حيث كان للشركة نشاط ومقر؟
“الأثرياء الجُدد”: من يجب أن يجيب؟
في كل قضية توظيف أموال كبرى، يظهر نمط متكرّر: أشخاص كانوا على هامش المشهد يتحوّلون فجأة إلى ملّاك أصول ثمينة بلا مصدر ثروة واضح يتناسب مع ما بين أيديهم. وحين تتطابق توقيتات اقتنائهم لهذه الأصول مع لحظة انهيار الشركة وملاحقة صاحبها، يصبح من حقّ الرأي العام — وواجب الأجهزة الرقابية — أن يسأل: هل هذه ثروات مشروعة، أم واجهات لإخفاء أموال محكوم بردّها لأصحابها؟
العدالة لا تكتمل بإدانة المتّهم الرئيسي وحده. فإذا ثبت أن أطرافًا تعاونوا على تهريب الأصول أو إخفائها أو تلقّيها وهم يعلمون مصدرها، فإن القانون المصري يوفّر أدوات للملاحقة تشمل إخفاء أموال متحصّلة من جريمة والتربّح والتستّر. والمسؤولية هنا لا تقع على القضاء وحده، بل على الجهات الرقابية المعنية بتتبّع الأموال واستردادها، التي يُنتظر منها أن تكشف ما إذا كانت قد جرى مراوغتها بمعاملات صُمّمت خصيصًا للالتفاف على أوامر التحفّظ.
لماذا الآن؟
قد يقول قائل إن القضية “قديمة” وإن الأحكام صدرت وانتهى الأمر. لكن الحقيقة أن ملف استرداد الأموال لا يزال مفتوحًا؛ فالضحايا — ومن بينهم آلاف الأسر — ما زالوا يخوضون معارك قضائية لاسترداد مئات الملايين من الدولارات، وآخر ما تكشّف من جهود قانونية يتعلق بإجراءات لتيسير تحويل أموال محكوم بها إلى المتضرّرين. وما دام جزء من الحق لم يُستردّ بعد، فإن السؤال عن مصير الأصول يظل سؤالًا حيًّا لا قديمًا.
إن إعادة فتح هذا الملف ليست تشهيرًا بأحد ولا إدانة مسبقة لأطراف بعينها، بل هي مطالبة بأن تأخذ الدولة على عاتقها إغلاق الفجوة بين “إدانة الجاني” و”إعادة الحق”. والمدخل إلى ذلك واضح: جردٌ شفاف للأصول، وتدقيقٌ في كل تصرّف جرى عليها، ومحاسبةٌ لكل من ثبت تورّطه في إخراجها عن مسارها القانوني — أيًّا كان موقعه.
قضية “ستار كابيتال” ليست مجرد ملف جنائي أُغلق، بل اختبار مفتوح لقدرة منظومة العدالة على أن تُتبِع الإدانة بالاسترداد. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت عالٍ — لا اتهامًا، بل مطالبةً بالتحقيق والكشف — هو: من المستفيد اليوم من أصولٍ بُنيت بأموال عشرة آلاف ضحية؟ وهل آن الأوان لأن تتتبّع الأجهزة الرقابية خيوط هذه الثروات حتى نهايتها، مهما كانت الأسماء التي ستظهر في نهاية الخيط؟
العدالة المتأخّرة خير من غيابها — لكنها تظل ناقصة ما لم يعُد الحق إلى أصحابه.










