رامي عادل يكتب:-
النصّاب العاديّ كائنٌ مسكين. يستعجل. يضرب ضربته ويهرب قبل أن يبرد الشاي. أما بطلانا — ولْنُسمّهما، رفقاً بالأحرف الأولى التي اكتفى بها البلاغ، «حمادة وشوشو» — فمن طينةٍ أرقى. هذان لا يهربان، بل يبقيان. لا يطرقان الباب لِصَّين، بل يدخلانه ضيفين. ولا يكتفيان بسرقتك، بل يسرقانك وأنت تشكرهما على «الوقفة الجميلة».
البلاغ المقدّم للنائب العام يرصد ستّ حكايات، لزوجين يقطنان فيلا من أفخم فيلات «كايرو فيستيفال سيتي». ست حكايات مختلفة الأبطال، متطابقة الحبكة، حتى لكأنها كُتبت بقلمٍ واحد، لأنها فعلاً كُتبت بقلمٍ واحد.
الوصفة: مِن «اطمئنّ على صحتك» إلى «وقّع يا أستاذ»
الحكايات الستّ، رغم اختلاف ضحاياها وأرقامها، تتبخّر كلها لتصير حكايةً واحدة، بسيطةً ومرعبة في بساطتها.
البطلان يملكان معامل تحاليل. ومن هنا تبدأ الحبكة. يقترب منك أحدهما بوجهٍ أبويٍّ حنون، ونبرةِ من يحبّك أكثر من أهلك، ليقول: «إنت مهملٌ في صحتك يا حبيبي. لازم تطمئنّ على نفسك. متقلقش — هنبعتلك حدّ يكشف عليك في بيتك، ويعمل لك الفحوصات المطلوبة، وكله علينا.»
ويأتي «الحدّ». يقيس الضغط، يسحب عينة الدم، يبتسم، ويُخرج لك ورقةً وقلماً: «دي بس استمارة الفحص يا أستاذ… امضي هنا.» فتمضي. لأنّ من يهتمّ بصحتك إلى هذا الحدّ لا يمكن أن يخدعك، أليس كذلك؟
ثم تكتشف — بعد شهرٍ أو سنةٍ أو عشر — أنّ «استمارة الفحص» كانت عقد بيع فيلتك. أو إقرار استلامٍ بخمسة ملايين. أو شيكاً على بياض. أو تنازلاً عن عمارةٍ في الكوربة. التحليل الوحيد الذي خرجت نتيجته دقيقة مئة بالمئة كان تحليل رصيدك: صفر.
وحين تطعن بالتزوير، يأتي خبير التزييف، ينظر للتوقيع، ويمنحه شهادة الصحّة. وكيف لا يكون صحيحاً، وأنت من وقّعه بيدك، وأنت مبتسمٌ ممتنّ، تظنّ أنك تطمئنّ على صحتك؟
هكذا تتطابق الحكايات الستّ على بصمةٍ واحدة: ضحيةٌ دخلها الثنائي من باب العيش والملح والصحة والاطمئنان، وخرج منها بالعقار والمال والتوقيع. خمسة ملايين «استُثمرت في البورصة» وتبخّرت. عمارةٌ في المهندسين بِيعت ونام أصحابها. فيلا طبيبٍ في زايد طارت في «مجلس عقد». 1261 متراً في الكوربة ذابت مقابل «75 مليون كاش» لم يرها أحد. شيكٌ بـ12 مليوناً صحا فوجد نفسه «12 ألفاً». و55 مليوناً من جيوب عشرة مساهمين بسطاء تاهت في الطريق بين نصّابَين. أبطالٌ مختلفون، واستمارةُ فحصٍ واحدة.
ويبقى الدرس الذي دفع ثمنه ستّةٌ كي نتعلّمه نحن مجاناً: حين يصرّ أحدهم على الاطمئنان على صحتك أكثر من أهلك، اطمئنّ أولاً على توقيعك. فبعضهم يحفظ مكان إمضائك أكثر مما يحفظ ودّك.










